اللهم استجب

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تََشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

الثلاثاء، 22 مارس 2022

3*-المحلى ابن حزم - المجلد الرابع{من 1461 - مسألة الي 1466 - مسألة والي 1470 - مسألة في كتاب المحلي لابن حزم

      من 1461 - مسألة  حتي 1466 - مسألة  والي 1470 - مسألة  في كتاب المحلي لابن حزم

تابع كتاب البيوع  في كتاب المحلي لابن حزم


1461 - مسألة : ولا يحل بيع المرء جملة مجموعة إلا كيلا مسمى منها ، أو إلا وزنا مسمى منها ، أو إلا عددا مسمى منها ، أي شيء كان . وكذلك لا يحل أن يبيع هذا الثوب أو هذه الخشبة إلا ذرعا مسمى منها . وكذلك لا يحل بيع الثمرة بعد طيبها واستثناء مكيلة مسماة منها ، أو وزن مسمى منها ، أو عدد مسمى منها أصلا ، قل ذلك أو كثر . ولا يحل بيع نخل من أصولها ، أو ثمرتها ، على أن يستثني منها نخلة بغير عينها ، لكن يختارها المشتري - هذا كله حرام مفسوخ أبدا ، محكوم فيما قبض منه كله بحكم الغصب وإنما الحلال في ذلك أن يستثني من الجملة إن شاء أي جملة كانت : حيوانا ، أو غيره ، أو من الثمرة : نصف كل ذلك مشاعا ، أو ثلثي كل ذلك ، أو أكثر ، أو أقل ؛ جزءا مسمى منسوبا مشاعا في الجميع . أو يبيع جزءا كذلك من الجملة مشاعا ، أو يستثني منها عينا معينة محوزة - كثرت أو قلت - فهذا هو الحق الذي لا خلاف من أحد في جوازه ، إلا في مكان واحد نذكره - إن شاء الله تعالى . وأجاز مالك بيع مائة نخلة يستثنى منها عشر نخلات بغير عينها ، وكذلك من الغنم ، ومنع من ذلك في الكثير - وأجاز بيع الثمرة واستثناء مكيلة منها تكون الثلث فأقل ، فإن استثنى أكثر من الثلث لم يجز . وقال مالك : إن ابتاع ثمر أربع نخلات من حائط بغير عينها لكن يختارها المبتاع لم يجز ، فلو ابتاعها كذلك بأصولها جاز ، إذا لم يكن فيها ثمر كالعروض . وأجاز للبائع أن يبيع ثمر حائطه ويستثني منه ثمر أربع نخلات بغير عينها ، لكن يختارها البائع - : أجاز هذا بعد أن توقف فيه أربعين ليلة ، وأجاز ذلك في الغنم - وكرهه ابن القاسم في النخل قال : فإن وقع أجزته لقول مالك ؟ قال أبو محمد : في هذه الأقوال عبرة لمن اعتبر من التفريق بين البائع ، والمشتري في اختيار الثمر ، ومن الفرق بين اختيار المشتري لثمر أربع نخلات فمنع منه ، وبين اختيار البائع له فأجازه . وليت شعري ما قوله في ست نخلات أو سبع ، ونزيده هكذا واحدة واحدة ، فإما يتمادى على الإباحة ، وإما يمنع ، فيكلفوا البرهان على ما حرموا وما حللوا ، أو يتحيروا فلا يدروا ما يحللون وما يحرمون ، ولا بد من أحد هذه الوجوه ضرورة . ثم نسألهم عما أجازوا في الأربع نخلات ، فنقول : أتجيزون ذلك إن لم يكن في الحائط إلا خمس نخلات ؟ فإن أجازوا ، سألناهم من أين خصوا الأربع نخلات بالإجازة دون ما هو أكثر أو أقل ؟ فإن منعوا زدناهم في عدد نخل الحائط نخلة نخلة - وهذه تخاليط لا نظير لها ؟ وهذا يبطل دعواهم في عمل أهل المدينة ، إذ لو كان ذلك عملا ظاهرا ما احتاج إلى أن يتوقف فيه أربعين ليلة ، وإن في إجازة ابن القاسم العمل الذي منع منه - إن وقع - من أجل إجازة مالك له لعجبا .
 
= ونحمد الله على عظيم نعمته علينا في تيسيرنا لطاعة كلامه ، وكلام رسوله ﷺ وتنفيرنا عن تقليد ما دون ذلك حمدا كثيرا كما هو أهله . وأما الحنفيون ، والشافعيون ، فإنهم منعوا من هذا كله . قال أبو محمد : وتناقضوا ههنا أقبح تناقض ؛ لأنه لا فرق بين ما حرموا ههنا من بيع جملة واستثناء مقدار منها بغير عينه ، وبين ما أجازوا في المسألة التي قبل هذه من بيع بعض جملة بكيل أو بوزن ، أو بعدد بغير عينه فهو ذلك نفسه ونحمد الله تعالى على السلامة ، وكلا الأمرين بيع بعض جملة وإمساك بعضها ، { وأحل الله البيع } ، { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } .
= وأما المكان الذي اختلف فيه مما ذكرنا ، فإن المالكيين منعوا من بيع جملة إلا ثلثيها ، وقالوا : لا يجوز الاستثناء إلا في الأقل . قال علي : وهذا باطل ؛ لأنه لم يوجب ما قالوه : لا قرآن ، ولا سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قول صاحب ، ولا قياس ، ولا رأي له وجه ، ولا لغة أصلا . وأيضا : فإن استثناء الأكثر أو الأقل ، إنما هو منع بعض الجملة فقط دون سائرها ، ولا خلاف في جواز هذا ، وهو الذي منعوا منه نفسه بعينه .
= وروينا من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة سألت أبا بكر بن أبي موسى عن الرجل يبيع بيعا ويستثني نصفه ؟ فكرهه - الحجاج هالك - .
= ومن طريق حماد بن سلمة عن عثمان البتي قال : إذا استثنى البائع نصفا ونقد المشتري نصفا ، فهو بينهما نصفان . ومن طريق محمد بن المثنى أنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور ، والأعمش ، كلاهما عن إبراهيم النخعي : أنه كان لا يرى بأسا أن يبيع السلعة ويستثني نصفها . قال أبو محمد : برهان صحة قولنا ههنا هي البراهين التي أوردنا في المسألة التي قبلها سواء سواء ، وههنا برهان زائد - : وهو ما روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا زياد بن أيوب أنا عباد بن العوام أنا سفيان بن حسين أنا يونس بن عبيد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله { أن رسول الله ﷺ نهى عن الثنيا حتى تعلم } . فصح أن الاستثناء لا يحل إلا معلوما من معلوم . فإن قيل : فقد رويتم من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن أبي الزبير ، وسعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال : { نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة ، والمحاقلة ، والمعاومة ، والمخابرة } .
 
= قال أحدهما : بيع السنين ، وهي المعاومة ، وهي الثنيا ؟ قلنا : هذا تفسير لا تقوم به حجة لأنه من كلام أبي الزبير ورأيه ، أو كلام سعيد بن ميناء ورأيه ، ولا حجة في كلام أحد دون رسول الله ﷺ . والثنيا : لفظة معروفة عربية ، قال تعالى : { كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون } وإنما الثنيا استثناء شيء من شيء فقط . ومن المحال الباطل المتيقن : أن يكون للثنيا معنى غير هذا فينهانا عنها رسول الله ﷺ ثم لا يبينها علينا ؛ حاش لله من هذا ، وهو الذي افترض الله تعالى عليه أن يبين لنا ديننا . قال أبو محمد : وقد جاءت في الثنيا آثار - : روينا من طريق ابن أبي شيبة أنا إسماعيل ابن علية ، وابن أبي زائدة ، كلاهما عن عبد الله بن عون عن القاسم بن محمد ، قال : ما كنا نرى بالثنيا بأسا لولا أن ابن عمر كرهها ، وكان عندنا مرضيا - قال ابن علية : لولا ابن عون : فتحدثنا أن ابن عمر كان يقول : لا أبيع هذه النخلة ، ولا هذه النخلة . قال علي : سمع ابن عون هذا الخبر من القاسم بن محمد . ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن يعقوب بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب قال : يكره أن يبيع النخل ويستثني منه كيلا معلوما - قال سفيان : ولكن يستثني هذه النخلة ، وهذه النخلة . ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا حماد بن زيد أنا أيوب - هو السختياني - عن عمرو بن شعيب أنه سأل سعيد بن المسيب عن الثنيا فكرهها إلا أن يستثني نخلات معلومات ، قال عمرو : ونهاني سعيد أن أبرأ من الصدقة إذا بايعت . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن علية عن أيوب السختياني عن عمرو بن شعيب قال : قلت لسعيد بن المسيب : أبيع ثمرة أرضي واستثني ؟ قال : لا تستثن إلا شجرا معلوما ، ولا تبرأن من الصدقة - قال أيوب فذكرته لمحمد بن سيرين فكأنه أعجبه . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو الأحوص عن أبي حمزة ، قلت لإبراهيم : أبيع الشاة واستثني بعضها ؟ قال : لا ، ولكن قل : أبيعك نصفها . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال : لا بأس ببيع السلعة ويستثني نصفها . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى عن يونس عن الحسن فيمن باع ثمرة أرضه فاستثنى كرا ؟ قال : كان يعجبه أن يعلم نخلا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن أبي زائدة عن يزيد - هو ابن إبراهيم - عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسا أن يبيع ثمرته ويستثني نصفها ، ثلثها ، ربعها . قال أبو محمد : واحتج المالكيون بما روينا من طريق عبد الرزاق حدثنا معمر سمعت الزبير بن عدي سمعت ابن عمر وهو يبيع ثمرة له فقال : أبيعكموها بأربعة آلاف وطعام الفتيان الذين يعملونها . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا وكيع عن إبراهيم عن إسماعيل بن مجمع عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه كان لا يرى بأسا أن يبيع ثمرته ويستثني منها مكيلة معلومة . ومن طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن جده محمد بن عمرو باع ثمر حائط له يقال له : الأفراق بأربعة آلاف درهم واستثنى منه بثمانمائة درهم تمرا - وما نعلم لهم غير هذا . فالرواية عن ابن عمر : هم أول مخالف لها ؛ لأن طعام الفتيان إن كان مستثنى من الثمرة فهو مجهول ، لا يدرى ما يكون نوعه ، ولا مقدار ما يكون ، فإن كان مضافا على المشتري إلى الثمن فكذلك أيضا - . والمالكيون لا يجيزون شيئا من هذين الوجهين - فقد خالفوه ، والصحيح عن ابن عمر مثل قولنا كما أوردنا آنفا . وأما حديث سالم فلم يخص ثلثا من أقل ، ولا أكثر - . والمالكيون لا يجيزون أكثر من الثلث - فقد خالفوه . وأما حديث محمد بن عمرو بن حزم فإنما استثنى من ثمر باعه بأربعة آلاف تمرا بثمانمائة درهم ، وهم الخمس ، فإنما استثنى خمس ما باع ، وهذا جائز حسن - فلاح أنه لا سلف لهم أصلا فيما قالوه ذلك . وقد روينا المنع من الاستثناء جملة كما روينا من طريق ابن أبي شيبة أنا عبد الصمد بن أبي الجارود قال : سألت جابر بن زيد عمن باع شيئا واستثنى بعضا ؟ قال : لا يصلح ذلك . قال أبو محمد : إن كان عنى مجهولا فصحيح وإن كان عنى جملة الاستثناء فخطأ ؛ لأن { رسول الله ﷺ أباح الثنيا إذا علمت } ، ولا حجة في أحد معه عليه السلام .

1462 - مسألة : ولا يحل لأحد أن يبيع مال غيره بغير إذن صاحب المال له في بيعه ، فإن وقع فسخ أبدا - سواء كان صاحب المال حاضرا يرى ذلك أو غائبا - ولا يكون سكوته رضا بالبيع - طالت المدة أم قصرت - ولو بعد مائة عام أو أكثر ، بل يأخذ ماله أبدا هو وورثته بعده . ولا يجوز لصاحب المال أن يمضي ذلك البيع أصلا إلا أن يتراضى هو والمشتري على ابتداء عقد بيع فيه - وهو مضمون على من قبضه ضمان الغصب . وكذلك لا يلزم أحدا شراء غيره له لا أن يأمره بذلك ، فإن اشترى له دون أمره فالشراء للمشتري ولا يكون للذي اشتراه له - أراد كونه له أو لم يرد - إلا بابتداء عقد شراء مع الذي اشتراه ، إلا الغائب الذي يوقن بفساد شيء من ماله فسادا يتلف به قبل أن يشاور ، فإنه يبيعه له الحاكم أو غيره ، ونحو ذلك ، ويشتري لأهله ما لا بد لهم منه - ويجوز ذلك أو ما بيع عليه بحق واجب لينتصف غريم منه ، أو في نفقة من تلزمه نفقته ، فهذا لازم له - حاضرا كان أو غائبا ، رضي أم سخط . برهان ذلك قول الله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } وقول رسول الله ﷺ : { إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام } . فليس لأحد أن يحل ما حرم الله تعالى من ماله ، ولا من بشرته ، ولا من دمه إلا بالوجه الذي أباحه به نص القرآن ، أو السنة ، ومن فعل ذلك فهو مردود لقول رسول الله ﷺ : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } والسكوت ليس رضا إلا من اثنين فقط - . أحدهما : رسول الله ﷺ المأمور بالبيان الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، الذي لا يقر على باطل ، والذي ورد النص بأن ما سكت عنه فهو عفو جائز ، والذي لا حرام إلا ما فصل لنا تحريمه ، ولا واجب إلا ما أمرنا به ولا نهانا عنه فقد خرج عن أن يكون فرضا أو حراما ، فبقي أن يكون مباحا ولا بد ، فدخل سكوته الذي ليس أمرا ولا نهيا في هذا القسم ضرورة . والثاني : البكر في نكاحها للنص الوارد في ذلك فقط - وأما كل من عدا ما ذكرنا فلا يكون سكوته رضا حتى يقر بلسانه بأنه راض به منفذ . ويسأل من قال : إن سكوت من عدا هذين رضا : ما الدليل على صحة قولكم : إن الرضا يكون بالسكوت ، وإن الإنكار لا يكون إلا بالكلام ؟ ومن أين قلتم ذلك ؟ فإن ادعوا نصا ، كذبوا ، وإن ادعوا علم ضرورة ، كابروا ؛ لأن جمهور الناس مخالفون لهم في ذلك ، وهم لا يعرفون الضرورة التي يدعون ، ولا فرق بين دعواهم على غيرهم علم الضرورة ههنا وبين دعوى غيرهم عليهم علم الضرورة في بطلان ذلك ، وفي أن الإنكار يكون بالسكوت ، وأن الرضا لا يكون إلا بالكلام ؟ فبطلت الدعوتان لتعارضهما ، ولم يبق إلا أن الساكت ممكن أن يكون راضيا ، وممكن أن يكون غير راض ، وهذا هو الذي لا شك فيه ، والرضا يكون بالسكوت وبالكلام ، والإنكار يكون بالسكوت وبالكلام . فإذ ذلك كذلك فإنما هو الظن فقط ، ولا تحل الأموال المحرمة بالظن . قال تعالى : { وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } وقال رسول الله ﷺ : { إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث } . فإن قالوا : قسنا ذلك على رسول الله ﷺ وعلى نكاح البكر ؟ قلنا : القياس باطل ، ثم لو كان حقا لكان ههنا في غاية الباطل ؛ لأن من عدا رسول الله ﷺ يسكت تقية أو تدبيرا في أمره وتروية ، أو لأنه يرى أن سكوته لا يلزمه به شيء ؛ وهذا هو الحق ، رسول الله ﷺ لا يتقي في الله تعالى أحدا ، ولا يحكم في شيء من الدين بغير الوحي من ربه تعالى ، ولا يجوز له السكوت على الباطل فلا ينكره ؛ لأنه كان يكون غير مبين وقد أمره الله تعالى بالبيان والتبليغ والأمر بالواجبات ، وتفصيل الحرام ، فسكوته خارج عن هذين الوجهين ، وليس غيره كذلك ، وطول المدد لا يعيد الباطل حقا أبدا ، ولا الحق باطلا - ويلزم المخالف لهذا أن من قيل له : يا كافر فسكت أنه قد لزمه حكم الكفر ، ومن قيل له : إنك طلقت امرأتك فسكت أن يلزمه الطلاق ، وأن من قتل ولده - وهو يرى - فسكت أنه قد بطل طلبه ولزمه الرضا - وهم لا يقولون بشيء من هذا . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : من باع مال آخر بغير أمره فلصاحب المال إجازة ذلك أو رده - واحتجوا بالخبر الثابت عن ابن عمر عن النبي ﷺ { في الذي استأجر أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته فأبى ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها ، ثم جاء فقال : يا عبد الله أعطني حقي ؟ فقلت : انطلق إلى تلك البقر وراعيها ؟ فقال : أتستهزئ بي ؟ قلت : ما أستهزئ بك ، ولكنها لك - فذكر الخبر ، وأن الله فرج عنهم الصخرة المطبقة على فم الغار } . فإن هذا خبر لا حجة لهم فيه لوجوه ، بل هو حجة عليهم ، ومبطل لقولهم - : فأولها : أن ذلك كان فيمن قبلنا ، ولا تلزمنا شرائعهم . والثاني : أنه ليس فيه أن الإجارة كانت بفرق ذرة بعينه ، بل ظاهره أنه كان بفرق ذرة في الذمة ، فإذ ذلك كذلك فلم يبع له شيئا ، بل باع ماله ثم تطوع بما أعطاه - وهذا حسن ، وهو قولنا . والثالث : أنه حتى لو كان فيه أنه كان فرقا بعينه ، وأنه كان في الإسلام لما كان لهم فيه حجة ؛ لأنه أعطاه أكثر من حقه فرضي وأبرأه من عين حقه ، وكلاهما متبرع بذلك من غير شرط - وهذا جائز عندنا حسن جدا . وأما كونه حجة عليهم فإن فيه : أنه عرض عليه حقه فأبى من أخذه وتركه ومضى فعلى أصلهم قد بطل حقه ، إذ سكت عن أخذه ، فلا طلب له فيه بعد ذلك . واحتجوا : بما رويناه من طريق ابن أبي شيبة أنا سفيان بن عيينة عن شعيب بن غرقدة عن عروة البارقي { أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارا يشتري له به شاة قال : فاشتريت له شاتين فباع إحداهما بدينار ، فأتى النبي ﷺ بدينار وشاة فدعا له بالبركة } . ورويناه أيضا : من طريق أبي داود أنا الحسن بن الصباح أنا أبو المنذر أنا سعيد بن زيد أنا الزبير بن الحارث عن أبي لبيد عن عروة البارقي - فذكره . ومن طريق ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبي حصين عن رجل من أهل المدينة عن حكيم بن حزام { أن النبي ﷺ بعثه ليشتري له أضحية بدينار فاشتراها ثم باعها بدينارين فاشترى شاة بدينار وجاء بدينار فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة وأمره أن يتصدق بالدينار } . هذا كل ما موهوا به ، وكله لا شيء . أما حديث حكيم : فعن رجل لم يسم ، ولا يدرى من هو من الناس ، والحجة في دين الله تعالى لا تقوم بمثل هذا . وأما حديث عروة فأحد طريقيه عن سعيد بن زيد أخي حماد بن زيد وهو ضعيف ، وفيه أيضا أبو لبيد وهو لمازة بن زبار وليس بمعروف العدالة ، والطريق الأخرى معتلة وإن كان ظاهرها الصحة ، وهي أن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة . كما روينا من طريق أبي داود السجستاني أنا مسدد أنا سفيان - هو ابن عيينة - عن شبيب بن غرقدة حدثني الحي عن عروة يعني ابن الجعد البارقي قال { أعطاه النبي ﷺ دينارا ليشتري له أضحية أو شاة فاشترى اثنتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة } فحصل منقطعا فبطل الاحتجاج به . ثم لو صح حديث حكيم ، وعروة : لم يكن لهم فيهما حجة ؛ لأنه إذ أمره عليه السلام أن يشتري له شاة فاشترى له شاتين ، صار الشراء لعروة بلا شك ؛ لأنه إنما اشترى كما أراد لا كما أمره النبي ﷺ ثم وزن دينار النبي ﷺ إما مستقرضا له ليرده ، وإما متعديا فصار الدينار في ذمته بلا شك ، ثم باع شاة نفسه بدينار فصرفه إلى النبي ﷺ كما لزمه وأهدى إليه الشاة ، فهذا كله هو ظاهر الخبر ، وليس فيه أصلا لا بنص ولا بدليل على أن الشراء جوزه النبي ﷺ والتزمه ، فلا يجوز القول بما ليس في الخبر . وأما خبر حكيم فإنه تعدى في بيع الشاة فلزمه ضمانها ، فابتاعها بدينار كما أمر وفضل دينار ، فأمره عليه السلام بالصدقة إذ لم يعرف صاحبه . قال أبو محمد : ثم نسألهم عمن باع مال غيره فنقول - : أخبرونا هل ملك المشتري ما اشترى وملك صاحب الشيء المبيع الثمن بذلك العقد أم لا ؟ ولا بد من أحدهما ؟ فإن قالوا : لا ، وهو الحق ، وهو قولنا ، فمن الباطل أن لا يصح عقد حين عقده ثم يصح في غير حين عقده ، إلا أن يأمر بذلك الذي لا يسأل عما يفعل ، فنسمع ونطيع الله تعالى وأما من يسأل عما يفعل فلا يقبل منه مثل هذا أصلا إذ لم يوجب الله تعالى قبوله منه . وإن قالوا : قد ملك المشتري ما اشترى ، وملك الذي له الشيء المبيع الثمن ؟ قلنا : فمن أين جعلتم له إبطال عقد قد صح بغير أن يأتي بذلك قرآن ، ولا سنة ؟ وهذا لا يحل ؛ لأنه تحكم في دين الله تعالى . وقولنا في هذا هو قول أحمد بن حنبل ، روينا عنه : أن من بيعت داره وهو ساكت فإن ذلك لا يجوز حتى يرضى أو يأمر أو يأذن في بيع داره - وهو قول أبي سليمان ، وجميع أصحابنا ، وهو قول الشافعي ، إلا أنه اختلف عنه فيمن بيع ماله فعلم بذلك ؟ فروي عنه أنه باطل ولا بد وروي عنه أن له أن يجيز ذلك إن شاء ، ولم يختلف عنه في أن السكوت ليس رضا أصلا . وأما أبو حنيفة : فإن السكوت عنده لا يكون إقرارا إلا في خمسة مواضع - : أحدها : من رأى عبده يبيع ويشتري كما يفعل المأذون له في التجارة فيسكت ، فإن العبد يصير بذلك مأذونا له . والشفعة : يعلمها الشفيع فيسكت ولا يشهد على أنه طالب لها ، فسكوته إسقاط لحقه في الطلب . والإنسان يباع وهو حاضر عالم بذلك ، ثم يقال له : قم مع مولاك فيقوم ، فهذا إقرار منه بالرق وإن لم يتكلم به . والبائع للشيء بثمن حال فيقبضه المشتري والبائع ساكت ، فهذا إذن منه في القبض - والبكر في النكاح . قال أبو محمد : هذه الأربعة وجوه : باطل ، وتخليط ، ودعوى بلا دليل ، ولا من قرآن ، ولا سنة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قول متقدم ، ولا قياس ، ولا رأي سديد يفرق بينها وبين غيرها ، وما كان هكذا فإن القول لا يحل به . وأما مالك : فإنه قال : " من رأى ماله يباع فسكت فقد لزمه البيع - أمة كانت المبيعة أو عبدا أو غير ذلك - ومن غصب ماله فمات الغاصب فرأى ماله يقسم فسكت ، فإن حقه قد بطل . ومن ادعي عليه بدين فسكت ، فقد لزمه ما ادعي به عليه . ولم ير السكوت عن طلب الدين - وإن رآه يقسم - مسقطا لحقه في الطلب - ولا رأى السكوت عن طلب الشفعة رضا بإسقاطها إلا حتى تمضي له سنة ، فسكوته بعد السنة رضا بإسقاطها عنده . ولم ير سكوت من تتزوج امرأته بحضرته طلاقا ولا أنها بانت عنه بذلك - وهذه مناقضات لا دليل على صحة شيء منها ، لا من نص ، ولا من قول أحد تقدمه ، ولا من رواية سقيمة ، ولا من قياس ، ولا من رأي له وجه . وأعجب ذلك : أنه لم ير سكوت البكر العانس رضا بالنكاح إلا حين تنطق بالرضا - وهذا خلاف النص جهارا . ورأى على من رأى داره تبنى وتهدم ويتصرف فيها أجنبي فسكت عشر سنين فأكثر أنها قد خرجت عن ملكه بذلك - وإن سكت عن ذلك أقل من سبع سنين أنها لم تخرج عن ملكه بذلك - واختلف عنه في سكوته سبع سنين ، أو ثماني سنين ، أو تسع سنين ، فروي عنه أن كل ذلك قطع لحقه - . وروي عنه أنه ليس ذلك قطعا لحقه " ولم ير سكوت ، المرء عن ذلك لبعض أقاربه قطعا لحقه إلا بعد سبعين سنة - وهذه أقوال كما ترى نعوذ بالله منها ، ففيها إباحة الأموال المحرمة جزافا - وبالله تعالى التوفيق .

1463 - مسألة : ولا يجوز بيع شيء لا يدري بائعه ما هو وإن دراه المشتري ، ولا ما لا يدري المشتري ما هو وإن دراه البائع ، ولا ما جهلاه جميعا . ولا يجوز البيع إلا حتى يعلم البائع والمشتري ما هو ، ويرياه جميعا ، أو يوصف لهما عن صفة من رآه وعلمه كمن اشترى زبرة يظنها قزديرا فوجدها فضة ، أو فصا لا يدري أزجاج هو أم ياقوت ؟ فوجده ياقوتا أم زمردا أو زجاجا - وهكذا في كل شيء - وسواء وجده أعلى مما ظن أو أدنى ، أو الذي ظن - : كل ذلك باطل مفسوخ أبدا ، لا يجوز لهما تصحيحه بعد علمهما به إلا بابتداء عقد رضاهما معا ، وإلا فلا - وهو مضمون على من قبضه ضمان الغصب . برهان ذلك - : قول الله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ولا يمكن ببديهة العقل ، وضرورة الحس رضا بما لا يعرف ولا يكون الرضا إلا بمعلوم الماهية ولا شك في أنه إن قال : رضيت : أنه قد لا يرضى إذا علم ما هو - وإن كان دينا جدا - وقد سمى الله تعالى ما لم يكن عن تراض أكل مال بالباطل . وأيضا : فهو بيع غرر ؛ لأنه لا يدري ما ابتاع ولا ما باع ، وقد { نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر } ، وهذا أعظم الغرر - وهذا قول الشافعي ، وأبي سليمان ، وقد ذكرنا عن مالك إجازة هذا البيع - وهو قول لا دليل على صحته أصلا . ومن عجائب الدنيا إجازته هذا البيع الفاسد ، ومنعه من بيع صبرة مرئية محاط بها علم البائع مكيلتها ولم يعلم المشتري مكيلتها وهذا عجب لا نظير له - وبالله تعالى التوفيق .

1464 - مسألة : ولا يحل بيع شيء بأكثر مما يساوي ولا بأقل مما يساوي إذا اشترط البائع أو المشتري السلامة إلا بمعرفة البائع والمشتري معا بمقدار الغبن في ذلك ورضاهما به ، فإن اشترط أحدهما السلامة ووقع البيع كما ذكرنا ، ولم يعلما قدر الغبن ، أو علمه ، غير المغبون منهما ولم يعلمه المغبون : فهو بيع باطل ، مردود ، مفسوخ ، أبدا ، مضمون على من قبضه ضمان الغصب وليس لهما إجازته إلا بابتداء عقد . فإن لم يشترطا السلامة ولا أحدهما ، ثم وجد غبن على أحدهما ولم يكن علم به ، فللمغبون إنفاذ البيع أو رده ، فإن فات الشيء المبيع رجع المغبون منهما بقدر الغبن - وهو قول أبي ثور ، وقول أصحابنا إلا أنهم قالوا : لا يجوز رضاهما بالغبن أصلا . وقال أبو حنيفة ، ومالك . والشافعي : لا رجوع للبائع ولا للمشتري بالغبن في البيع - كثر أو قل . وذكر ابن القصار عن مالك : أن البيع إذا كان فيه الغبن مقدار الثلث فإنه يرد . برهان صحة قولنا - : قول الله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } . ولا يكون التراضي ألبتة إلا على معلوم القدر ، ولا شك في أن من لم يعلم بالغبن ولا بقدره فلم يرض به - فصح أن البيع بذلك أكل مال بالباطل . وقوله تعالى { يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم } فحرم عز وجل الخديعة . ولا يمتري أحد في أن بيع المرء بأكثر ما يساوي ما باع ممن لا يدري ذلك : خديعة للمشتري ، وأن بيع المرء بأقل مما يساوي ما باع ، وهو لا يدري ذلك : خديعة للبائع ، والخديعة حرام لا تصح . وما روينا عن أبي داود أنا أحمد بن حنبل أنا سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة : { أن رسول الله ﷺ مر برجل يبيع طعاما فسأله كيف تبيع ؟ فأخبره ، فأوحى الله تعالى إليه أن أدخل يدك فيه ، فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال رسول الله ﷺ ليس منا من غش } . وقال عليه السلام : { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام } . ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري قال : قال رسول الله ﷺ : { الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ؟ قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ، ولكتابه ، وللأئمة ، ولجماعة المسلمين } . { ونهي النبي ﷺ عن النجش في البيع } : برهان صحيح على قولنا ههنا ؛ لأنه نهى بذلك عن الغرور - والخديعة في البيع جملة ، بلا شك يدري الناس كلهم : أن من أخذ من آخر فيما يبيع منه أكثر مما يساوي بغير علم المشتري ولا رضاه ، ومن أعطاه آخر فيما يشتري منه أقل مما يساوي بغير علم البائع ولا رضاه فقد غشه ولم ينصحه ، ومن غش ولم ينصح فقد أتى حراما . وقال رسول الله ﷺ : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } . فصح أنه باطل مردود بنص أمره عليه السلام ، وهو قول السلف - : كما روينا من طريق حماد بن زيد أنا أيوب ، وهشام - هو ابن حسان - كلهم عن محمد بن سيرين : أن رجلا قدم المدينة بجوار فنزل على ابن عمر فذكر الحديث - وفيه أنه باع جارية من ابن جعفر ، ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن غبنت بسبعمائة درهم ، فأتى ابن عمر إلى عبد الله بن جعفر فقال : إنه غبن بسبعمائة درهم فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه ؟ فقال ابن جعفر : بل نعطيها إياه - فهذا ابن جعفر ، وابن عمر : قد رأيا رد البيع من الغبن في القيمة . ومن طريق عبد الرزاق نا معمر عن يونس بن عبيد عن رجل عن جرير بن عبد الله البجلي : أنه ساوم رجلا بفرس فسامه ، فسامه الرجل خمسمائة درهم إن رأيت ذلك ؟ فقال له جرير : فرسك خير من ذلك ، ولك ستمائة حتى بلغ ثمانمائة ، وهو يقول : إن رأيت ذلك ؟ فقال جرير : فرسك خير من ذلك ، ولك ستمائة حتى بلغ ستمائة حتى بلغ ثمانمائة ، وهو يقول : إن رأيت ذلك ؟ فقال جرير : فرسك خير من ذلك ، ولا أزيدك ؟ فقال له الرجل : خذها ؟ فقيل له : ما منعك أن تأخذها بخمسمائة ؟ فقال جرير : لأنا بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نغش أحدا ؛ أو قال : مسلما - وعن ابن عمر ليس لي غش . ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن زبيد اليامي عن ميسرة عن ابن عمر وقد ذكرناه قبل في " باب ما لا يتم البيع إلا به من التفرق " . ومن طريق سفيان بن عيينة أنا بشر بن عاصم الثقفي سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أبي بن كعب أن عمر بن الخطاب ، والعباس بن عبد المطلب تحاكما إليه في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد أراد عمر أخذها ليزيدها في المسجد ، وأبى العباس ، فقال أبي بن كعب لهما : لما أمر سليمان ببناء بيت المقدس كانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه ، فلما اشتراها قال له الرجل : الذي أخذت مني خير أم الذي أعطيتني ؟ قال سليمان : بل الذي أخذت منك ؟ قال : فإني لا أجيز البيع فرده ، فزاده ، ثم سأله ؟ فأخبره ، فأبى أن يجيزه - وذكر الحديث . فهذا أبي يورد هذا على سبيل الحكم به بحضرة عمر بن الخطاب ، والعباس رضي الله عنهم فيصوبان قوله - فهؤلاء عمر ، وابنه ، والعباس ، وعبد الله بن جعفر ، وأبي ، وجرير ، ولا مخالف لهم من الصحابة رضي الله عنهم : يرون رد البيع من الخديعة في نقصان الثمن عن قيمة المبيع . ومن طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر عن القاسم بن عبد الرحمن أنه رد البيع من الغلط ، ولم يرده الشعبي وقال : البيع خدعة . قال أبو محمد : والعجب كله من أقوال الحاضرين من خصومنا فإنهم يردون البيع من العيب يحط من الثمن يوجد فيه ؛ لأنه عندهم غش ، ثم يجيزون البيع وقد غش فيه بأعظم الغش ، وأخذ فيه منه ، أكثر من ثمنه ، هذا عجب جدا وتناقض سمج . وعجب آخر : وهو أنهم يردون البيع من العيب يوجد فيه ، وإن كان قد أخذه المشتري بقيمته معينا ، ولا يردون البيع إذا غبن البائع فيه الغبن العظيم ، فلا ندري من أين وقع لهم هذه العناية بالمشتري ؟ وهذا الحنق على البائع ، إن هذا لعجب لا نظير له ؟ وعجب ثالث : وهو أنهم - نعني المالكيين ، والشافعيين - يحجرون على الذي يخدع في البيوع حتى يمنعوه من العتق ، والصدقة ، ومن البيع الصحيح الذي لا غبن فيه ويردون كل ذلك ، وهم ينفذون مع ذلك تلك البيوع التي غبن فيها ولا يردونها ، فلئن كانت تلك البيوع التي خدع فيها حقا وجائزة فلأي معنى حجروا عليه من أجلها وهي حق وصحيحة ؟ ولئن كانت تلك البيوع التي خدع فيها باطلا وغير جائزة فلأي معنى يجيزونها ، إن هذه لطوام فاحشة ، وتخليط سمج ، وخلاف مجرد لكل ما حكم به رسول الله ﷺ فإنه ذكر له منقذ ، وأنه يخدع في البيوع فلم يحجر عليه ، لكن أمره أن يقول : " لا خلابة " عند البيع ، وجعل له الخيار ثلاثا في إنفاذ البيع أو رده ، فأبطل عليه السلام : " الخلابة " وأنفذ بيوعه الصحاح والتي يختار إنفاذها بعد المعرفة بها ، ولم يحجر عليه - وهذا عكس كل ما يحكمون به - وحسبنا الله ونعم الوكيل . =



1465 - مسألة : فمن غبن في بيع اشترط فيه السلامة فهو بيع مفسوخ ؛ لأن بيع الغش بيقين هو غير بيع السلامة الذي لا غش فيه ، هذا أمر يعلم بالمشاهدة ، فإذا هو كذلك فالبيع المنعقد بينهما في الباطن ليس هو الذي عقد عليه مشترط السلامة ولا يحل أن يلزم غير ما عقد عليه ، ولا يحل له أن يتمسك بما لم يعقد عليه بيعه الذي تراضى به ، لأن مال الآخر حرام عليه إلا ما تراضى معه ، وكذلك ماله على الآخر أيضا . وأما إذا علم بقدر الغبن كلاهما ، وتراضيا جميعا به ، فهو عقد صحيح ، وتجارة عن تراض ، وبيع لا داخلة فيه . وأما إذا لم يعلما أو أحدهما بقدر الغبن ، ولم يشترطا السلامة ولا أحدهما فله الخيار إذا عرف في رد أو إمساك ؛ لأن البيع وقع سالما على الجملة ، فهو بيع صحيح . ثم وجدنا النبي ﷺ قد جعل الخيار لمن قال : " لا خلابة ثلاثا " إن شاء أمسك وإن شاء رد فوجب أن لا يحل ما تزيد فيه الخادع على المخدوع إلا بعلم المخدوع وطيب نفسه ، فإن رضي بترك حقه فذلك له ، وإن أبى لم يجز له أخذ ما ابتاع بغير رضى البائع ، فله أن يرده . وقد صح الإجماع المقطوع به على أن له الرد - واختلف الناس : هل له الإمساك أم لا ؟ وقد قال الله تعالى { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } . فصح أنه إذا رضي ما ابتاع فذلك - وبالله تعالى التوفيق . قال علي : والقيمة قيمتان باتفاق جميع أهل الإسلام - قديما وحديثا - فقد كان التجار على عهد رسول الله ﷺ يبيعون ما يشترون طلب الربح ، هذا أمر متيقن ، فقيمة يبتاع بها التجار السلع لا يتجاوزونها إلا لعلة ، وقيمة يبيع بها التجار السلع لا يحطون عنها ولا يتجاوزونها إلا لعلة ؛ فهاتان القيمتان تراعيان لكل قيمة في حالها . قال أبو محمد : واحتج أصحابنا في إبطالهم البيع بأكثر مما يساوي - وإن علما جميعا بذلك وتراضيا به بأن قالوا : { نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال } ، قالوا : والمشتري الشيء ، بأكثر من قيمته والبائع له بأقل من قيمته كلاهما مضيع لماله . قالوا : ولا يجوز إخراج المال عن الملك إلا بعوض أجر من الله تعالى فهو أفضل عوض ، وإما بعوض من أعراض الدنيا كعمل في الإجارة ، أو عرض في التجارة ، أو ملك بضع في النكاح ، أو انحلال ملكه في الخلع ، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص . قالوا : ومن باع ثمرة بألف دينار ، أو ياقوتة بفلس ، فإن هذا هو التبذير ، والسرف ، وبسط اليد كل البسط ، وأكل المال بالباطل - قال أبو محمد : لا حجة لهم غير ما ذكرنا . قال أبو محمد : فنقول لهم - وبالله تعالى التوفيق - : إن الذي قلتم إنما هو فيما لا يعلم بقدره ، وأما إذا علم بقدر الغبن وطابت به نفسه فهو بر بر به معاملة بطيب نفسه ، فهو مأجور ؛ لأنه فعل خيرا ، وأحسن إلى إنسان ، وترك له مالا ، أو أعطاه مالا ، وليس التبذير ، والسرف ، وإضاعة المال ، وأكله بالباطل إلا ما حرمه الله عز وجل على ما بينا في : " كتاب الحجر " من ديواننا هذا وأما التجارة عن تراض فما حرمها الله تعالى قط ، بل أباحها . قال أبو محمد : وإنما يجوز من التطوع بالزيادة في الشراء ما أبقى غنى ؛ لأنه معروف من البيع ، وقد قال رسول الله ﷺ : { كل معروف صدقة } وقال ﷺ : { الصدقة عن ظهر غنى } . وأما ما لم يبق غنى فمردود لا يحل ، لقول رسول الله ﷺ : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } . قال علي : ومما يبين صحة قولنا : ما رويناه من طريق مسلم أنا أبو كامل - هو فضيل بن حسين الجحدري أنا عبد الواحد بن زياد أنا الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال { كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فتخلف ناضحي ؛ فذكر الحديث وفيه فما زال يزيدني ويقول : والله يغفر لك } . قال أبو محمد : فلا يخلو أول عطاء أعطاه رسول الله ﷺ في الجمل من أن يكون هو قيمة الجمل أو أقل من قيمته أو أكثر من قيمته فإن كان قيمته فقد زاده بعد ذلك ، وفي هذا جواز البيع بالزيادة على القيمة عن رضاهما معا - وإن كان أعطاه أولا أقل من القيمة أو أكثر - فهذا هو قولنا وهو عليه السلام لا يسوم بما لا يحل ولا يخدع ولا يغر ولا يغش - فهذا نفس قولنا ولله الحمد . وكذلك قوله عليه السلام : { لا يسم أحدكم على سوم أخيه } فيه إباحة المساومة ، وهي عند كل من يدري اللغة العربية معروفة ، وهي أن يسأل أحدهما ثمنا يعطيه الآخر أقل - فلو كان إعطاء أقل من القيمة أو طلب أكثر منها طلبا باطلا لما أباحه الله تعالى على لسان رسوله . فصح أن كل ذلك جائز إذا عرفاه وعرفا مقداره وتراضيا معا به ، ولم يكن خديعة ولا غشا . وكذلك ما جعل عليه السلام لمنقذ من الخيار في رد البيع أو إمضائه وكان يخدع في البيوع فيه إجازة البيع الذي فيه الخديعة إذا رضيها المخدوع وعرفها . وكذلك الذي رويناه من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة ، وزيد بن خالد الجهني : { أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ؟ فقال : إذا زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فاجلدوها ، ثم إن زنت فبيعوها ، ولو بضفير أو بحبل من شعر } فأباح عليه السلام بيعها بحبل من شعر إذا رضي بائعها بذلك . وقد أجاز أصحابنا الذي أنكروا ههنا في حس مس إذ أجازوا بيع عبد بعشرة دنانير ، واشتراط مال وهو أنه عشرة آلاف دينار ، ولم ينكروه أصلا ، وكيف ينكرونه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أباحه جملة ؟ وهذا أخذ مال بغير صدقة ولا عوض . قال أبو محمد : وليس في شيء من هذه الأخبار متعلق لمن أجاز البيع الذي فيه الخديعة المحرمة والغش المحرم من الغبن الذي لا يدريه المغبون . لأنه ليس فيها دليل على شيء من ذلك ، إنما فيها جواز ذلك إذا علمه الراضي به في بيعه فقط ، ولا يجوز الرضا بمجهول أصلا ؛ لأنه ممتنع في الجبلة ، محال في الخلقة ، وقد يقول المرء : رضيت رضيت ، فيما لا يعلم قدره ، فإذا وقف عليه لم يرضه أصلا ، هذا أمر محسوس في كل أحد ، وفي كل شيء . قال علي : واحتج المذكورون بما روينا من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي قال : بلغني عن ابن عمر أنه كان يقول إذا بعث من يبتاع له سلعة : ارثم أنفه . ومن طريق ابن حبيب حدثني عبد العزيز الأويسي ، وعبد الملك بن مسلمة عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن المهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : وددت أني لا أبيع شيئا ولا أبتاعه إلا بطحت بصاحبه . وبما ذكرنا عن الشعبي من قوله : البيع خدعة ؟ قال أبو محمد : هذا كله باطل ، وابن حبيب متروك ، ثم هو عن ابن عمر بلاغ كاذب ، ثم لو صح لما فهم منه أحد إباحة غبن ، ولا خديعة ، إنما معنى " ارثم أنفه " خذ أفضل ما عنده - وهذا مباح إذا تراضيا بذلك ، وأعطاه إياه بطيب نفسه . وأما حديث عمر بن عبد العزيز فإسماعيل بن عياش لا شيء - وكم قصة خالفوا فيها عمر بن عبد العزيز ؟ كسجوده في { إذا السماء انشقت } وإباحته بيع السمك في الماء قبل أن يصاد ، وعشرات من القضايا ، فمن الباطل أن يكون ما صح عنه ليس حجة وما لم يصح عنه حجة - وبالله تعالى التوفيق . والذي جاء من طريق الشعبي هو من طريق جابر الجعفي ، وقد خالفه القاسم ، وغيره ، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ .

1466 - مسألة : ولا يجوز البيع بثمن مجهول ، ولا إلى أجل مجهول كالحصاد ، والجداد ، والعطاء ، والزريعة ، والعصير ، وما أشبه هذا - وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي سليمان ؛ لأن كل ما ذكرنا يتقدم بالأيام ويتأخر فالحصاد ، والجداد ، يتأخران أياما إن كان المطر متواترا ، ويتقدمان بحر الهواء وعدم المطر ، وكذلك العصير ، وأما الزريعة فتتأخر شهرين وأكثر لعدم المطر - وأما العطاء فقد ينقطع جملة . وأيضا : فكل ذلك شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإنما يجوز الأجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يتقدم ، كالشهور العربية والعجمية ؛ أو كطلوع الشمس أو غروبها ، أو طلوع القمر أو غروبه ، أو طلوع كوكب مسمى أو غروبه ، فكل هذا محدود الوقت عند من يعرفها ، قال الله تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } حاشا ما ذكرنا من المبيع إلى الميسرة فهو حق للنص في ذلك ، ولأنه حكم الله تعالى في كل من لا يجد أداء دينه . ولا يجوز الأجل إلى صوم النصارى أو اليهود أو فطرهم ، ولا إلى عيد من أعيادهم ؛ لأنها من زينتهم ولعلهم سيبدو لهم فيهما ، فهذا ممكن . وقال الشافعي : لا يجوز الأجل إلا بالأهلة فقط وذكر هذه الآية ، وقول الله عز وجل : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم } قال أبو محمد : قال الله عز وجل : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } فعم تعالى كل أجل مسمى ولم يخص ، فكانت هذه الآية زائدة على تينك الآيتين ، والزيادة لا يحل تركها ، وليس في تينك الآيتين منع من عقد الآجال إلى غير الأهلة ولا إباحة ، فواجب طلب حكم ذلك من غيرهما ، فإن وجد ما يدل على جوازه قيل به ، وإلا فلا - وهذا قول الحسن بن حي ، وأبي سليمان ، وأصحابنا . وأباح مالك البيع إلى العطاء فيما خلا ، قال : وأما اليوم فلا ، لأنه ليس الآن معروفا ، وكان معروفا قبل ذلك - وأجاز البيع إلى الحصاد ، والجداد ، والعصير . قال : وينظر إلى عظم ذلك وكثرته ، لا إلى أوله ولا إلى آخره . قال أبو محمد : ما نعلم في الجهالة أكثر من هذا التحديد ولا غرر أعظم منه . قال علي : وقد تبايع الناس بحضرة عمار ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم إلى قدوم الراكب - فخالف الحنفيون ، والمالكيون ذلك ، وهم يشنعون بأقل من هذا ، إذا وافق تقليدهم ، ونسوا في هذا الباب احتجاجهم بالأثر الوارد ، { المسلمون عند شروطهم } . ومن غرائب احتجاجهم أن كلتا الطائفتين ذكرت الخبر الذي رويناه من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم عن أبي إسحاق السبيعي عن أم يونس : أن عائشة أم المؤمنين قالت لها أم محبة أم ولد زيد بن أرقم : يا أم المؤمنين ، إني بعت زيد بن أرقم عبدا إلى العطاء بثمانمائة درهم فاحتاج إلى الثمن فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة ، فقالت عائشة : بئس ما أشريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيدا أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب فقالت : أرأيت إن تركت وأخذت الستمائة ؟ قالت : نعم : { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } . فقال الحنفيون ، والمالكيون : بتحريم البيع المذكور تقليدا لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ولم يقلدوا زيد بن أرقم في جوازه ، وقالوا : مثل هذا القول عن أم المؤمنين لا يكون إلا عن توقيف من رسول الله ﷺ ولم يقولوا : إن فعل زيد لا يكون إلا عن توقيف من رسول الله ﷺ لأن ما كان طريقه التوقيف فليست هي أولى بالقول من زيد بن أرقم . والتزم الحنفيون هذا الاحتجاج في البيع إلى العطاء ، ولم يرضه المالكيون فيه ؟ فقلنا لهم : يا هؤلاء أين أنتم عن هذا الاحتجاج الكاذب في كل ما تركتم فيه التوقيف الصريح : من أن كل بيعين لا بيع بينهما ما لم يتفرقا إلا أن يخير أحدهما الآخر . والنهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه فأبحتموه على القطع . والنهي عن بيع الماء فأبحتموه وسائر التوقيفات الثابتة ؟ فهان عليكم تركها لآرائكم المجردة ، وتأويلاتكم الفاسدة ، ثم التزمتم القول بظن كاذب لا يحل القول به أن ههنا توقيفا من رسول الله ﷺ كتمته أم المؤمنين ولم تبلغه ، وهذا هو الكذب ، على رسول الله ﷺ المكشوف وقبيح الوصف لأم المؤمنين رضي الله عنها . فإن قالوا : تركنا دليل النصوص لتأويل تأولناه واجتهاد رأيناه ؟ فقلنا : ومن أباح لكم ذلك وحظره على زيد بن أرقم - وقلامة ظفره والله قبل أن تفارقه - خير من أبي حنيفة ، ومالك ، وكل من اتبعهما ؟ وهو الذي صدقه الله تعالى في القرآن ، وحتى لو كان ههنا نص ثابت بخلاف قوله ، فمن أحق بالتأويل منه في أن يعذر في ذلك لو أخطأ مجتهدا في خلاف القرآن ؟ كما تأول ابن مسعود أن لا يتيمم الجنب ولا يصلي ولو لم يجد الماء شهرا . وكما تأول عمر إذ خطب فمنع الزيادة في الصداق على خمسمائة درهم ، وإذ أعلن بأن رسول الله ﷺ لم يمت ولا يموت حتى يكون آخرنا . وأم المؤمنين رضي الله عنها إنما قالت هذا القول إن كانت قالته أيضا فلم يرو ذلك عنها من يقوم بنقله حجة . وإن العجب ليطول ممن رد رواية فاطمة بنت قيس المهاجرة المبايعة عن النبي ﷺ ثم يلزم الناس الحجة برواية أم يونس ، وأم محبة ، فلا أكثر من أم يونس ، وأم محبة ، لرأي رأته أم المؤمنين خالفها فيه زيد بن أرقم . قال أبو محمد : واحتج من أباح البيع إلى العطاء بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن عطاء ، وجعفر بن عمرو بن حريث ، قال عطاء : كان ابن عمر يشتري إلى العطاء ، وقال جعفر عن أبيه : إن دهقانا بعث إلى علي بن أبي طالب ثوب ديباج منسوج بالذهب فابتاعه منه عمرو بن حريث إلى العطاء بأربعة آلاف درهم ، قال حجاج : وكان أمهات المؤمنين يتبايعن إلى العطاء . ومن طريق إسرائيل عن جابر الجعفي عن الشعبي : لا بأس بالبيع إلى العطاء - وعن ابن أبي شيبة أنا أبو بكر الحنفي عن نوح بن أبي بلال : اشترى مني علي بن الحسين طعاما إلى عطائه . قال علي : كل هذا عن حجاج بن أرطاة وناهيك به ضعفا ، وعن جابر وهو دون حجاج بدرج ، ولا أدري نوح بن أبي هلال من هو ؟ ولقد كان يلزم الحنفيين المحتجين برواية حجاج بن أرطاة في أن العمرة تطوع أن يحتجوا ههنا بروايته ، ولقد كان يلزمهم إذ قلدوا أم المؤمنين فيما خالفها فيه زيد بن أرقم أن يقلدوها ههنا ومعها صواحبها أمهات المؤمنين ، وعلي ، وعمرو بن حريث ، وأيضا عمار بن ياسر وغيره ، ولكن القوم متلاعبون . قال علي : وروينا من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس لا يسلم إلى عصير ، ولا إلى العطاء ، ولا إلى الأندر - يعني البيدر . ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن بكير بن عتيق عن سعيد بن جبير لا تبع إلى الحصاد ، ولا إلى الجداد ، ولا إلى الدراس ولكن سم شهرا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا محمد بن أبي عدي عن عبد الله بن عون سئل محمد بن سيرين عن البيع إلى العطاء ؟ قال : لا أدري ما هو ؟ ومن طريق ابن أبي شيبة أنا جرير عن منصور عن إبراهيم : أنه كره الشراء إلى العطاء ، والحصاد ، ولكن يسمي شهرا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا حميد بن عبد الرحمن عن الحسن بن صالح بن حي عن المغيرة عن الحكم : أنه كره البيع إلى العطاء - وهو قول سالم بن عبد الله بن عمر ، وعطاء . =



1467 - مسألة : ولا يحل لأحد أن يسوم على سوم آخر ، ولا أن يبيع على بيعه - المسلم ، والذمي سواء - فإن فعل فالبيع مفسوخ ، فإن وقف سلعته لطلب الزيادة ، أو قصد الشراء ممن باعه لا من إنسان بعينه ، لكن محتاطا لنفسه جازت المزايدة حينئذ هذا إذا لم يبتد بسوم آخر فقط ، فإن بدأ بمساومة إنسان بعينه فلم يزده المشتري على أقل من القيمة ووقف على ذلك فلغيره أن يبلغه إلى القيمة وأكثر حينئذ . وكذلك لو طلب البائع أكثر من القيمة ولم يجب إلى القيمة أصلا فلغيره حينئذ أن يعرض على المشتري سلعته بقيمتها وبأقل . برهان ذلك - : ما رويناه من طريق مالك عن نافع ، وأبي الزناد ، قال أبو الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة ، وقال نافع : عن ابن عمر ، ثم اتفق أبو هريرة ، وابن عمر ، كلاهما عن رسول الله ﷺ أنه قال : { لا يبع بعضكم على بيع بعض } . ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال : { لا يبع أحدكم على بيع أخيه } . قال علي : هذا خبر معناه الأمر ؛ لأنه لو كان معناه الخبر لكان كذبا لوجود خلافه ، والكذب مقطوع ببعده عن النبي ﷺ ولا يجيزه عليه إلا كافر حلال دمه . ومن طريق شعبة عن الأعمش عن أبي صالح - هو السمان - عن أبي هريرة : " أن رسول الله ﷺ قال : { لا يسم المسلم على سوم المسلم } . قال علي : هذا بعض ما في حديث أبي هريرة ، وابن عمر ؛ لأن البيع على البيع يدخل فيه السوم ضرورة ؛ لأنه لا يمكن البيع ألبتة إلا بعد سوم ، ولا يكون السوم ألبتة إلا للبيع ، وإلا فليس سوما ، فإذا حرم البيع حرم السوم عليه ، وإذا حرم السوم حرم البيع ضرورة . ولا يجوز السوم بما لا يجوز بيعه كبيع الحر والسوم فيه ، وفي الربا - وبهذا قال بعض الصحابة رضي الله عنهم . قال أبو محمد : وقال مالك : إنما هذا إذا ركنا وتقاربا - وهذا تفسير لا يدل عليه لفظ الحديث ، فأما من أوقف سلعته طلب الزيادة فيه أو طلب بيع يسترخصه فليس مساوما لإنسان بعينه ، فلا يلزمه هذا النهي ، وأما من رأى المساوم أو المبايع لا يريد الرجوع إلى القيمة ، لكن يريد غبن صاحبه بغير علمه فهذا فرض عليه نصيحة المسلم ، فقد خرج عن هذا النهي أيضا بقول رسول الله ﷺ : { الدين النصيحة } . وروينا من طريق وكيع عن حزام بن هشام الخزاعي عن أبيه شهدت عمر بن الخطاب باع إبلا من إبل الصدقة فيمن يزيد . ومن طريق حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن المغيرة بن شعبة : أنه باع المغانم فيمن يزيد - ومن طريق ابن أبي شيبة أنا معتمر بن سليمان عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن رجل من الأنصار : { أن رسول الله ﷺ باع حلسا وقدحا فيمن يزيد } .

1468 - مسألة : ولا يحل النجش وهو أن يريد البيع فينتدب إنسانا للزيادة في البيع ، وهو لا يريد الشراء لكن ليغتر غيره فيزيد بزيادته - فهذا بيع إذا وقع بزيادة على القيمة فللمشتري الخيار ، وإنما العاصي والمنهي هو الناجش ، وكذلك رضا البائع إن رضي بذلك ، والبيع غير النجش وغير الرضا بالنجش ، وإذ هو غيرهما فلا يجوز أن يفسخ بيع صح بفساد شيء غيره ، ولم يأت نهي قط عن البيع الذي ينجش فيه الناجش ، بل قال الله تعالى : { وأحل الله البيع } . وروينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر قال : { إن رسول الله ﷺ نهى عن النجش } . ومن طريق عبد الرزاق عن إسماعيل بن عياش عن عبيد بن مهاجر قال : بعث عمر بن عبد العزيز عبيد بن مسلم يبيع السبي فلما فرغ أتى عمر فقال له : إن البيع كان كاسدا لولا أني كنت أزيد عليهم وأنفقه ؟ فقال له عمر : كنت تزيد عليهم ، ولا تريد أن تشتري ؟ قال : نعم فقال عمر : هذا نجش ، والنجش لا يحل ، ابعث مناديا ينادي : أن البيع مردود ، وأن النجش لا يحل .

1469 - مسألة : ولا يحل لأحد تلقي الجلب - : سواء خرج لذلك أو كان ساكنا على طريق الجلاب ، وسواء بعد موضع تلقيه أم قرب - ولو أنه على السوق على ذراع فصاعدا ، لا لأضحية ، ولا لقوت ، ولا لغير ذلك ، أضر ذلك بالناس أو لم يضر . فمن تلقى جلبا - أي شيء كان - فاشتراه فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع ، أو رده ، فإن رده حكم فيه بالحكم في البيع برد العيب لا في المأخوذ بغير حق ، ولا يكون رضا الجالب إلا بأن يلفظ بالرضا ، لا بأن يسكت - علم أو لم يعلم - فإن مات المشتري فالخيار للبائع باق ، فإن مات البائع قبل أن يرد أو يمضي فالبيع تام . برهان ذلك - : ما روينا من طريق مسلم أنا ابن نمير - هو محمد بن عبد الله بن نمير - أنا أبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : { إن رسول الله ﷺ نهى أن تتلقى السلع حتى تبلغ الأسواق } . ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أنا عبد الله بن المبارك عن التيمي - هو سليمان - عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ { أنه نهى عن تلقي البيوع } . وروينا نحوه مسندا صحيحا من طريق ابن عباس . ومن طريق علي أيضا . ومن طريق مسلم حدثنا ابن أبي عمر : أنا هشام بن سليمان عن ابن جريج أخبرني هشام القردوسي - هو ابن حسان - عن ابن سيرين قال : سمعت أبا هريرة يقول " إن رسول الله ﷺ قال : { لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار } . ومن طريق أبي داود أنا الربيع بن نافع أبي توبة حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة : { أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن تلقي الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق } . قال أبو محمد : هذا نقل تواتر ، رواه خمسة من الصحابة ، ورواه عنهم الناس - وبهذا قال السلف - : روينا من طريق عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة نهى عن تلقي الجلب فمن تلقى جلبا فاشترى منه فالبائع بالخيار إذا وقع السوق - وهذا نص قولنا ، ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف ، لا سيما هذه الطريق التي كأنها الشمس . ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا أبو هلال أنا محمد بن سيرين قال : كان يكره أن يتلقى الجلب خارج البلد فإذا تلقي الجلب خارجا من البلد فرب الجلب بالخيار إذا قدم إن شاء باع وإن شاء أمسك ، وهذا أيضا نص قولنا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن المبارك عن أبي جعفر الرازي عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال : لا تلقوا البيوع بأفواه السكك . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو داود الطيالسي عن إياس بن دغفل : قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز - : لا تلقوا الركبان . وممن نهى عن تلقي الركبان الجالبين جملة : الليث ، والحسن بن حي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والشافعي ، وأبو سليمان ، وأصحابهم . وقال الشافعي ، وأبو سليمان : بإيجاب الخيار للبائع إذا قدم السوق - ونهى عنه الأوزاعي إن كان بالناس إليه حاجة . وأباحه أبو حنيفة جملة ، إلا أنه كرهه إن أضر ذلك بأهل البلد دون أن يحظره ، وأجازه بكل حال - وهذا خلاف لرسول الله ﷺ . وخلاف صاحبين لا يعرف لهما من الصحابة مخالف ، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم . وما نعلم لأبي حنيفة في هذا القول أحدا قاله قبله . وقال مالك : لا يجوز ذلك للتجارة خاصة ، ويؤدب من فعل ذلك في نواحي المصر فقط - ولا بأس بالتلقي لابتياع القوت من الطعام والأضحية . وهذه تقاسيم مخالفة للسنة الواردة في ذلك ، ولا نعلمها عن أحد قبل مالك أصلا . قال أبو محمد : وحكم رسول الله ﷺ بالخيار للبائع بيان بصحة البيع إلا أن للبائع خيارا في رده أو إمضائه ، والخيار لا يكون ألبتة ولا يجوز إلا لمن جعله رسول الله ﷺ له ، ومن جعله يورث فقد تعدى ما حد رسول الله ﷺ وليس الخيار مالا يورث ، ولو ورث لكان لأهل الوصية منه نصيبهم . قال سفيان الثوري : تلقي السلع منهي عنه من تلقاها بحيث لا تقصر الصلاة إليه ، فإن تلقاها بحيث تقصر الصلاة فصاعدا فلا بأس بذلك . قال علي : فهذا تقسيم فاسد ؛ لأنه دعوى بلا برهان . وقال الليث : ينزع من المشتري ويرد إلى البائع ، فإن مات نزعت من المشتري وبيعت في السوق ودفع ثمنها إلى البائع . قال أبو محمد : احتج من أجاز تلقي الركبان بما رويناه من طريق البخاري عن موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام } . ومن طريق البخاري أنا إبراهيم بن المنذر أنا أبو ضمرة - هو أنس بن عياض - أنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر { أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله ﷺ فيبعث عليه من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام } . ومن طريق ابن أيمن أنا هشام أنا أبو صالح حدثني الليث بن سعد حدثني ابن غنج عن نافع عن ابن عمر أنه حدثه : { أنهم كانوا يشترون الطعام على عهد رسول الله ﷺ من الركبان فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه في مكانهم الذي ابتاعوه فيه حتى ينقلوه إلى سوق الطعام } . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه لستة وجوه - : أحدها - أن المحتجين بهذا هم القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرا عن النبي ﷺ ثم خالفه أو حمله على تفسير ما فهو أعلم بما فسر ، وقوله حجة في رد الخبر ، وابن عمر هو راوي هذا الخبر ، وقد صح عنه الفتيا بترك التلقي كما ورد آنفا ، والأخذ بما روي من النهي عن التلقي . وثانيها - أن هذين خبران هم أول مخالف لنا فيهما ، فلا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه ، ولا أسوأ طريقة ممن يحتج بحجة هو أول مبطل لها ، ومخالف لموجبها . والثالث - أنهما موافقان لقولنا ؛ لأن معنى نهي رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يبلغوا به سوق الطعام هو نهي للبائع أن يبيعه وللمشتري أن يبتاعه حتى يبلغ به السوق ، ومشهور غير منكور في لغة العرب " بعت بمعنى ابتعت " ويخرج خبر موسى بن عقبة على هذا أيضا ، وأنه ﷺ نهى البائعين أن يبيعوه في مكانهم الذي ابتاعه المشترون منهم - وهذا معنى صحيح لا داخلة فيه . والرابع - أنه حتى لو كان فيهما نص على جواز تلقي الركبان وليس ذلك فيهما لكان النهي ناسخا ولا بد بيقين لا شك فيه ؛ لأن التلقي كان مباحا بلا شك قبل النهي ، فكان هذان الخبران موافقين للحال المتقدمة بلا شك ، وباليقين يدري كل ذي فهم أن رسول الله ﷺ إذ نهى عن التلقي فقد بطلت الإباحة بلا شك ، فقد بطل حكم هذين الخبرين ونسخ لو صح فيهما إباحة التلقي ، فكيف وليس ذلك فيهما ؟ وهذا برهان قاطع لا محيد عنه ، ومن ادعى عود حكم قد نسخ فقد كذب ، وقفا ما لا علم له به ، وادعى على رسول الله ﷺ أنه لم يبين كما أمر ، وأن الدين مختلط لا يدري أحد حرامه من حلاله من واجبه ، وحاش لله من هذا . وخامسها - أن يضم هذان الخبران إلى أخبار النهي ، فيكون البائعون تخيروا إمضاء البيع فأمر المبتاعون بنقله حينئذ إلى السوق ، فتتفق الأخبار كلها ولا تحمل على التضاد . وسادسها - أننا روينا هذا الخبر ببيان صحيح رافع للإشكال من طريق من هو أحفظ وأضبط من جويرية - كما روينا من طريق البخاري أنا مسدد أنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيد الله - هو ابن عمر - حدثه نافع عن عبد الله بن عمر قال : { كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق ويبيعونه في مكانه فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه } . ومن طريق مسلم أنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير قال ابن أبي شيبة : أنا علي بن مسهر ، وقال أبو بكر : أنا أبي ، ثم اتفق علي بن مسهر ، وعبد الله بن نمير ، كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : { كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه } . فهذا يبين أن البيع كان في السوق إلا أنه في أعلاه ، وفي الجزاف خاصة فنهي المشترون عن ذلك - واحتج أيضا بعضهم بشيء طريف جدا ، وهو أنه ذكر رواية عن هشام القردوسي عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، وفيه : فمن اشتراه فهو بالخيار ، وقال : إن هذا اللفظ يوجب الخيار للمشتري أيضا . قال أبو محمد : وهذا مما جروا به على عادتهم الخبيثة في الإيهام والتمويه بأنهم يحتجون - وهم لا يأتون بشيء - لأن هذا الذي قاله هذا القائل باطل ، ولو جاء بهذا اللفظ لكان مجملا تفسره رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة لهذا الخبر نفسه ، وأن الخيار إنما هو للبائع ، وهكذا قال أبو هريرة ، وابن سيرين في فتياهما . ثم هبك لو صح خيار آخر للمشتري فأي منفعة لهم في هذا ؟ وهم لا يقولون بهذا ، فلو كان ههنا حياء ، أو ورع لردع عن التمويه بمثل هذا مما هو كله عليهم . قال أبو محمد : وقال بعض الناس : إنما أمر عليه السلام بهذا حياطة للجلاب دون أهل الحضر - قال علي : وقال بعضهم : بل حياطة على أهل الحضر دون الجلاب . قال أبو محمد : وكلا القولين فاسد ، وما حياطة النبي ﷺ لأهل الحضر إلا كحياطته للجلاب سواء سواء ، قال الله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } . فهو عليه السلام ذو رأفة ورحمة بالمؤمنين كما وصفه ربه تعالى ، ولم يفرق بين المؤمنين من أهل الحضر والمؤمنين من الجالبين ، وكلهم مؤمنون فكلهم في رأفته ورحمته سواء ، ولكنها الشرائع يوحيها إليه باعثه عز وجل فيؤديها كما أمر ، لا يبدلها من تلقاء نفسه ، ولا ينطق عن الهوى ، ولا علة لشيء من أحكام الشريعة إلا ما قاله الله عز وجل : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } و { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ، { لا معقب لحكمه } ، وما عدا هذا فباطل وإفك مفترى . فإن قال قائل : فما يقولون : في خبر ابن عمر المذكور - وهو صحيح - وأنتم المنتسبون إلى القول بالسنن ؟ قلنا : نعم ، ولله الحمد كثيرا ، وسنذكر الحكم الذي في هذا الخبر من نقل الطعام عن موضع ابتياعه وأنه في الجزاف خاصة بعد هذا - إن شاء الله تعالى - من خبر آخر . وأما هذا الخبر الذي ذكرنا ههنا فهو كما ذكرنا ولا بد - : إما أمر للبائعين وهم الركبان الجالبون له ، بأن نهوا عن ذلك البيع هنالك ، ونهي المشترون عن التلقي - وإما أنه مفسوخ بالنهي عن التلقي أو في الجزاف خاصة ، كما في خبر عبيد الله ، لا بد من أحد هذه الأمور لما ذكرنا ، ولا يحتمل غير هذين الوجهين أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

1470 - مسألة : 
 
 ولا يجوز أن يتولى البيع ساكن مصر ، أو قرية ، أو مجشر لخصاص لا في البدو ولا في شيء مما يجلبه الخصاص إلى الأسواق ، والمدن ، والقرى ، أصلا ولا أن يبتاع له شيئا لا في حضر ولا في بدو ، فإن فعل فسخ البيع والشراء أبدا ، وحكم فيه بحكم الغصب ، ولا خيار لأحد في إمضائه ، ولكن يدعه يبيع لنفسه ، أو يشتري لنفسه ، أو يبيع له خصاص مثله ، ويشتري له كذلك ، لكن يلزم الساكن في المدينة ؛ أو القرية ، أو المجشر : أن ينصح للخصاص في شرائه وبيعه ، ويدله على السوق ، ويعرفه بالأسعار ، ويعينه على رفع سلعته إن لم يرد بيعها وعلى رفع ما يشتري . وجائز للخصاص أن يتولى البيع ، والشراء لساكن المصر ، والقرية ، والمجشر - وجائز لساكن المصر ، والقرية ، والمجشر أن يبيع ويشتري لمن هو ساكن في شيء منها . برهان ذلك - : ما رويناه من طريق مسلم أنا زهير بن حرب أنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : { أنه نهى أن يبيع حاضر لباد } .
 
=  ومن طريق مسلم أنا يحيى بن يحيى أنا هشيم عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين عن أنس بن مالك ، قال : نهينا أن يبيع حاضر لباد ، وإن كان أخاه أو أباه . ومن طريق مسلم أنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : { نهى رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد } .
= قال طاوس : فقلت لابن عباس : ما قوله حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا . ومن طريق أحمد بن شعيب أنا إبراهيم بن الحسن أنا حجاج - هو ابن محمد - قال : قال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله ﷺ : { لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } .
 
= ومن طريق ابن أبي شيبة أنا شبابة عن ابن أبي ذئب حدثني مسلم الخياط عن ابن عمر قال : 
={ نهى رسول الله ﷺ عن بيع حاضر لباد } .
 
= فهذا نقل خمسة من الصحابة بالطرق الثابتة ، فهو نقل تواتر ، وبه تأخذ الصحابة رضي الله عنهم - : كما روينا آنفا ابن عباس مفسرا مبينا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا وكيع عن سفيان الثوري عن أبي موسى عن الشعبي : كان المهاجرون يكرهون بيع حاضر لباد قال الشعبي : وإني لأفعله . قال أبو محمد : الأولى أن يحمل عليه قول الشعبي ، " وإني لأفعله " أي إني أكرهه كما كرهوه - : ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان بن عيينة عن مسلم الخياط : أنه سمع أبا هريرة ينهى أن يبيع حاضر لباد . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا ابن عيينة عن مسلم الخياط : أنه سمع أبا هريرة يقول : نهي أن يبيع حاضر لباد - وسمع عمر يقول : لا يبيع حاضر لباد . ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي حمزة عن إبراهيم النخعي قال : قال عمر بن الخطاب : دلوهم على السوق ، دلوهم على الطريق ، وأخبروهم بالسعر . ومن طريق أبي داود سمعت حفص بن عمر يقول : أنا أبو هلال أنا محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال : كان يقال : لا يبع حاضر لباد - وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو أسامة عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أنس قال : لا يبع حاضر لباد . ومن طريق أبي داود أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سالم المالكي : أن { أعرابيا حدثه أنه قدم بجلوبة له على عهد رسول الله ﷺ فنزل على طلحة بن عبد الله ، فقال له طلحة : إن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من بايعك فشاورني حتى آمرك أو أنهاك } .
 
= فهؤلاء المهاجرون جملة ، وعمر بن الخطاب ، وأنس ، وابن عباس ، وأبو هريرة ، وطلحة ، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي الله عنهم - وهو قول عطاء ، وعمر بن عبد العزيز . وروينا عن بعض التابعين خلافه . روينا عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يشتري من الأعرابي للأعرابي ، قيل له : فيشترى منه للمهاجر ؟ قال لا . ومن طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أبو حرة سمعت الحسن يقول : اشتر للبدوي ولا تبع له . ومن طريق ابن أبي شيبة أنا أبو داود - هو الطيالسي - عن إياس بن دغفل : قرئ علينا كتاب عمر بن عبد العزيز : لا يبع حاضر لباد . ومن طريق سعيد بن منصور أنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : إنما نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد ، لأنه أراد أن يصيب المسلمون من غرتهم ، فأما اليوم فلا بأس - وقال عطاء : لا يصلح اليوم . ومن طريق وكيع عن ابن خثيم قلت لعطاء : قوم من الأعراب يقدمون علينا أفنشتري لهم ؟ قال : لا بأس . ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم ، قال : كان يعجبهم أن يصيبوا من الأعراب رخصة - وهو قول الأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، والشافعي ، وأبي سليمان ، ومالك ، والليث . قال الأوزاعي : لا يبيع له ، ولكن يشير عليه ، وليست الإشارة بيعا إلا أن الشافعي قال : إن وقع البيع لم يفسخ . وقال الليث ، ومالك : لا يشير عليه . وقال مالك : لا يبيع الحاضر أيضا لأهل القرى ، ولا بأس بأن يشتري الحاضر للبادي إنما منع من البيع له فقط ، ثم قال : لا يبع مدني لمصري ، ولا مصري لمدني ، ولكن يشير كل واحد منهما على الآخر ويخبره بالسعر . وقال أبو حنيفة : يبيع الحاضر للبادي ، لا بأس بذلك . قال أبو محمد : أما فسخنا للبيع فإنه بيع محرم من إنسان منهي عن ذلك البيع ، وقد قال رسول الله ﷺ : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } . وناقض الشافعي ههنا ، إذ لم يبطل هذا البيع ، وأبطل سائر البيوع المنهي عنها بلا دليل مفرق . وأما من قال : إن النهي عن ذلك ليصاب غرة من البدري ، وأنه نظر للحاضرة ، فباطل - وحاش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا ، وهو الذي قال فيه ربه تعالى : { بالمؤمنين رءوف رحيم } وأهل البدو مؤمنون كأهل الحضر ، فنظره وحياطته عليه السلام للجميع سواء ، ويبطل هذا التأويل الفاسد من النظر الصحيح : أن ذلك لو كان نظرا لأهل الحضر لجاز للحاضر أن يبيع للبادي من البادي ، وأن يشتري منه لنفسه ، وكلا الأمرين لا يجوز - : فصح أن هذه علة فاسدة ، وأنه لا علة لذلك أصلا إلا الانقياد لأمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وأما قول مالك فخطأ من جهات - : أما تفريقه بين البيع للبادي فمنع منه ، وبين الشراء له فأباحه - : فخطأ ظاهر ؛ لأن لفظه " لا يبع " يقتضي أن لا يشتري له أيضا ، كما قال أنس بن مالك - وهو حجة في اللغة وفي الدين - والعرب تقول : بعت بمعنى اشتريت ، قولا مطلقا ، وإذا اشترى له من غيره فقد باع من ذلك الغير له يقينا بلا تكلف ضرورة ، وقد قال تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } . فحرموا الشراء كما حرموا البيع وأحلوا ههنا الشراء له وحرموا البيع له . وأما قول مالك " لا يبع لأهل القرى " فخطأ ؛ لأن اسم " البادي " لا يقع عند العرب على ساكن في المدن ألبتة ، وإنما يقع على أهل الأخبية ، والخصوص ، المنتجعين مواقع القطر للرعي فقط . وأما تفريقه بين من كان من أهل الدين بمنزلة أهل المدن وبين سائر أهل القرى ، فخطأ ثالث بلا دليل أصلا . وأما قوله " لا يبع مدني لمصري ولا مصري لمدني " فخطأ رابع لا دليل عليه ألبتة ، ولا نعلم أحدا قاله قبله . وإنما تفريقه بين المدني ، والمصري ، فرأى أن يشير كل واحد منهما على الآخر ولا يبيع له ، ولم ير أن يشير حاضر على أعرابي ولا يبيع له - : فخطأ خامس بلا دليل ؟ فهذه وجوه خمسة مخالفة للخبر المذكور ، لا دليل على صحة شيء منها ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من رواية سقيمة ، ولا من قياس ، ولا من رأي له وجه ، ولا من قول أحد قبله لا صاحب ، ولا تابع . وأما قوله " لا يشير الحاضر على البادي " فإن من قال بهذا احتج بما روي في بعض هذه الأخبار من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } ؟ قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه أصلا ، ولا في هذا اللفظ ما توهموه من الميل على أهل البادية ، لا نص ، ولا أثر ، ولا شبهة بوجه من الوجوه ؛ لأنه عليه السلام لم يقل : دعوا الحاضرين يرزقهم الله من أهل البادية ، إنما قال : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض } وأهل البدو من الناس كما أهل الحضر سواء سواء ولا فرق ، فيدخل في هذا اللفظ رزق الله تعالى للبادي من الحاضر ، وللبادي من البادي ، وللحاضر من البادي ، وللحاضر من الحاضر : دخولا مستويا ، لا مزية لشيء من ذلك على شيء آخر منه - : فبطل ذلك الظن الكاذب ، ولا يحل من بيع البادي والحاضر إلا ما يحل من بيع الحاضر للحاضر ، ولا فرق . فإن قالوا : إنما نهى عن أن يبيع له ، قسنا على ذلك أن لا يشير عليه ؟ قلنا : القياس كله باطل ، ولو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ؛ لأنكم تركتم أن تمنعوا من الشراء له قياسا على البيع له ، وهو بيع مثله ، وقستم الإشارة على البيع وليست منه في ورد ولا صدر . ولا يختلفون في أن امرأ لو شاور آخر بعد النداء للجمعة في بيع فأشار عليه لم يحرج ولا أتى مكروها ، ولو باع أو اشترى لعصى الله تعالى ، وأن من حلف أن لا يبيع فأشار في أمر بيع لم يحنث ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { : الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللأئمة ولجماعة المسلمين } والبادي من المسلمين فالنصحية له فرض - ولو أراد الله تعالى أن لا يشار عليه لنص على ذلك كما نص على البيع على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد ذكرنا النصيحة للبادي آنفا من طريق عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة ، وقد جاء في ذلك أثر - : كما روينا من طريق سعيد بن منصور أنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه قال : قال رسول الله ﷺ : { دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإذا استنصح الرجل أخاه فلينصح له } . وأما أبو حنيفة فلم يحتج إلى تطويل لكن خالف رسول الله ﷺ في نهيه عن أن يبيع حاضر لباد بنقل التواتر . وخالف ما جاء في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم دون أن يعرف لهم منهم مخالف وهم يشنعون بأقل من هذا . فمن أعجب ممن يرد هذه الآثار المتواترة المتظاهرة الصحاح من السنن ، وعن الصحابة ثم يقلد آثارا واهية مكذوبة في جعل الآبق فلا يعللها ، ولا يتأول فيها هذا ؟ وهم يطلقون في أصولهم أن الأثر وإن كان ضعيفا فهو أقوى من النظر - وحسبنا الله ونعم الوكيل . 
=======

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1وط2.كتاب : الأمثال المؤلف : أبو عبيد ابن سلام

  ج1وج2.كتاب  الأمثال أبو عبيد ابن سلام المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمّد وآله رأيت في أوّل نسخة الشيخ الإمام أبي...